محمد الغزالي

67

فقه السيرة ( الغزالي )

وشرح الصدر الذي عنته الآيات ليس نتيجة جراحة يجريها ملك أو طبيب ، ويحسن أن تعرف شيئا عن أساليب الحقيقة والمجاز التي تقع في السنة . عن عائشة رضي اللّه عنها أن بعض أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم قلن : يا رسول اللّه ، أينا أسرع بك لحوقا ؟ قال : « أطو لكن يدا » . فأخذن قصبة يذر عنها ، فكانت سودة أطولهن يدا ، فعلمنا بعد أنما كان طول يدها بالصّدقة ، وكانت تحبّ الصدقة ، وكانت أسراعنا لحوقا به « 1 » . . . أب ( محمد ) صلى اللّه عليه وسلم إلى مكة بعد أعوام طيبة قضاها في البادية ، أب ليجد أمّا كريمة حبست نفسها عليه ، وشيخا مهيبا يلتمس في مراه العزاء عن ابنه الذي خلّى مكانه في شرخ الشباب ، وكأن الأيام أبت له قرارا بين هذه الصدور الرقيقة ، فأخذت تحرمه منها ، واحدا بعد الاخر . رأت ( امنة ) - وفاء لذكرى زوجها الراحل - أن تزور قبره ب ( يثرب ) ، فخرجت من ( مكة ) قاطعة رحلة تبلغ خمسمئة كيلو متر في الذهاب غير مثيلتها في الإياب ، ومعها في هذه السفرة الشاقة ابنها ( محمد ) صلى اللّه عليه وسلم ، وخادمتها ( أم أيمن ) ، وعبد اللّه لم يمت في أرض غريبة ؛ فقد مات بين أخواله بني النجار ؛ قال ابن الأثير : « إن هاشما شخص في تجارة إلى الشام ، فلما قدم المدينة نزل على عمرو بن لبيد الخزرجي ، فرأى ابنته ( سلمى ) فأعجبته ، فتزوّجها ، وشرط أبوها ألا تلد ولدا إلا في أهلها ، ثم مضى هاشم لوجهه ، وعاد من الشام فبنى بها في أهلها ، ثم حملها إلى مكة فحملت ، فلما أثقلت ردّها إلى أهلها ومضى إلى الشام ، فمات ب ( غزة ) ، وولدت له ( سلمى ) عبد المطلب ، فمكث في المدينة سبع سنين . . . » . وقد ظلّ محمد عليه الصلاة والسلام لدى أخواله قريبا من قبر أبيه نحو

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 3 / 222 ، من طريق مسروق ، عن عائشة بهذا السياق ، إلا أنه قال : « وكانت أسراعنا لحوقا به ، وكانت تحب الصدقة » ؛ وأخرجه مسلم : 7 / 144 ، من طريق عائشة بنت طلحة ؛ والحاكم من طريق عمرة كلتاهما عن عائشة بنحوه ، وفي روايتهما : « فكانت أطولنا يدا زينب ؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق » . وهذا يخالف رواية البخاري ، فإن ظاهرها أن سودة هي التي لحقت به أولا ، وهو خطأ بيّن كما حققه الحافظ في الفتح . وقد رجّح فيه رواية مسلم وهو الحق . فمن شاء الزيادة في التحقيق فليرجع إليه . وزينب هذه هي بنت جحش ، لا بنت خزيمة كما توهّم بعضهم .